أن تصل من قطعك من الأقارب ممن تجب صلتهم عليك ، إذا قطعوك ، فصلهم ولا تقل : من وصلني وصلته ! فإن هذا ليس بصلة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ليس الواصل بالمكافئ ، إنما الواصل من إذا قطعت رحمه ، وصلها )) (أخرجه البخاري رقم [5991]كتاب الأدب ) فالواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها .
و سأل النبي صلى الله عليه وسلم رجل ، وقال : يا رسول الله ! إن لي أقارب اصلهم ويقطعونني ، و أحسن إليهم ويسيئون إلي ، و أحلم عنهم ويجهلون علي ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن كنت كما قلت ، فكأنما تسفهم الملّ ، و لا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك )) (أخرجه مسلم رقم [22]كتاب البر والصلة ) .
وقوله : (( تسفهم الملّ )) ، أي كأنما تضع التراب أو الرماد الحار في أفواههم .
وإذا كان وصل من قطعك يعد من مكارم الأخلاق فكذلك وصل من وصلك هو أيضا من هذا الباب ، لأن من وصلك وهو قريب ، صار له حقان : حق القرابة ، وحق المكافأة ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (( من صنع إليكم معروفاً ، فكافئوه)) (أخرجه أبو داود رقم [1672]كتاب الزكاة .ورقم [5109]كتاب الادب . والنسائي رقم [2566]كتاب الزكاة باب (72) وهو في صحيح الجامع رقم [6021] ) .
وكذلك عليك أن تعطي من حرمك : أي من منعك ، ولا تقل : منعني ، فلا أعطيه .
من مكارم الأخلاق :
تعفو عمن ظلمك ، أي : من انتقصك حقك : إما بالعدوان ، وإما بعدم القيام بالواجب .
والظلم يدور على أمرين : اعتداء وجحود : إما أن يعتدي عليك بالضرب وأخذ المال وهتك العرض ، إما أن يجحدك فيمنعك حقك .
وكمال الإنسان أن يعفو عمن ظلمه . ولكن العفو إنما يكون عند القدرة على الانتقام ، فأنت تعفو مع قدرتك على الانتقام لأمور :
أولا : رجاء لمغفرة الله عز وجل ورحمته ، فإن من عفا وأصلح ، فأجره على الله .
ثانيا : لإصلاح الود بينك وبين صاحبك ، لأنك إذا قابلت إساءته بإساءة ، استمرت الإساءة بينكما ، وإذا قابلت إساءته بإحسان ، عاد إلى الإحسان إليك وخجل .
قال الله تعالى { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } (سورة فصلت الآية 34) .
فالعفو عند المقدرة من مكارم الأخلاق ، لكن بشرط أن يكون العفو إصلاحاً ، فإن تضمن العفو إساءة ، فإنه لا يندب إلى ذلك ، لأن الله أشترط فقال { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ } (سورة الشورى الآية 40) أي كان في عفوه إصلاح ، أما من كان في عفوه إساءة أو كان سبباً للإساءة ، فهنا نقول : لا تعف ! مثل أن يعفو عن مجرم ، ويكون عفوه هذا سبباً لاستمرار هذا المجرم في إجرامه ، فترك العفو هنا أفضل وربما يجب ترك العفو حينئذ .
بر الوالدين ، وذلك لعظم حقهما . فلم يجعل الله لأحد حقاً يلي حقه وحق رسول الله صلى الله عليه وسم إلا الوالدين ، فقال { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } .
وحق الرسول في ضمن الأمر بعبادة الله ، لأنه لا تتحق العبادة حتى يقوم العبد بحق الرسول عليه الصلاة والسلام ، بمحبته واتباع سبيله ، ولهذا كان داخلاً في قوله <span style='color:orange'>{ وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } . وكيف يعبد الله إلا من طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ؟!
وإذا عبد الله على مقتضى شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد أدى حقه .
ثم يلي ذلك حق الوالدين ، فالوالدان تعبا على الولد ، ولا سيما الأم ، قال الله تعالى { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } وفي آية أخرى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ } ، فالأم تتعب في الحمل ، وعند الوضع ، وبعد الوضع ، وترحم صبيها أشد من رحمة الوالد له ، ولهذا كانت أحق الناس بحسن الصحبة والبر ، حتى من الأب .
قال رجل : يا رسول الله ! من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : (( أمك )) . قال : ثم من ؟ قال : (( أمك )) . قال : ثم من؟ قال : (( أمك )) . ثم قال في الرابعة : (( ثم أبوك )) .
و الأب أيضاً يتعب على أولاده ، ويضجر بضجرهم ، ويفرح لفرحهم ويسعى بكل الأسباب التي فيها راحتهم وطمأنينتهم وحسن عيشهم ، يضرب الفيافي والقفار من أجل تحصيل العيش له و لأولاده .
فكل من الأم و الأب له حق ، ومهما عملت من العمل فلن تقضي حقهما ، ولهذا قال الله عز وجل { وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } فحقهم سابق ، حيث ربياك صغيراً حين كنت لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً ، فواجبهما البر .
و البر فرض عين بالاجماع على كل واحد من الناس ، ولهذا قدمه النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل الله ، كما في حديث ابن مسعود ، قال : قلت : يا رسول الله ! أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : (( الصلاة على وقتها )) و قلت : ثم أي ؟ قال : (( بر الوالدين )) . قلت : ثم أي ؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) .
و الوالدان هم الأب و الأم ، أما الجد والجدة ، فلهما بر ، لكنه لا يساوي بر الأم و الأب ، لأن الجد والجدة لم يحصل لهما ما حصل للأم والأب من التعب والرعاية والملاحظة ، فكان برهما واجباً من باب الصلة ، أما البر ، فإنه للأم والأب .
لكن ، ما معنى البر ؟
البر : إيصال الخير بقدر ما تستطيع ، وكف الشر
إيصال الخير بالمال ، و إيصال الخير بالخدمة ، وإيصال الخير بإدخال السرور عليهما ، من طلاقة الوجه ، وحسن المقال والفعال ، وبكل ما فيه راحتهما .
ولهذا كان القول الراجح وجوب خدمة الأب و الأم على الأولاد إذا لم يحصل عليه ضرر ، فإن كان عليه ضرر ، لم يجب عليه خدمتهما ، اللهم إلا عند الضرورة .
ولهذا نقول : إن طاعتهما واجبة فيما فيه نفع لهما ولا ضرر على الولد فيه ، إما ما فيه ضرر عليه ، سواء كان ضرراً دينياً ، كأن يأمراه بترك واجب أو فعل محرم ، فإنه لا طاعة لهما في ذلك ، أو كان ضرراً بدنياً ، فلا يجب عليه طاعتهما . أما المال ، فيجب عليه أن يبرهما ببذله ، ولو كثر ، إذا لم يكن عليه ضرر ، ولم تتعلق به حاجته ، و الأب خاصة له أن يأخذ من مال ولده ما شاء ، ما لم يضر .
وإذا تأملنا في أحوال الناس اليوم ، وجدنا كثيرا منهم لا يبر بوالديه ، بل هو عاق ، تجده يحسن إلى أصحابه ، ولا يمل الجلوس معهم ، ولكن لو يجلس إلى أبيه أو أمه ساعة من نهار ، لوجدته متململاً ، كأنما هو على الجمر ، فهذا ليس ببار ، بل البار من ينشرح صدره لأمه وأبيه ويخدمهما على أهداب عينيه ، ويحرص غاية الحرص على رضاهما بكل ما يستطيع .
وكما قالت العامة : (( البر أسْلاف )) فإن البر مع كونه يحصل به البار على ثواب عظيم في الآخرة ، فإنه يجازى به في الدنيا . فالبر و العقوق كما يقول العوام : (( أسْلاف )) ، اقرض ، تستوف ، إن قدمت البر لأبيك وأمك ، برك أولادك ، و إن قدمت العقوق ، عقك أولادك .
وهناك حكايات كثيرة في أن من الناس من بر والديه فبر به أولاده ، وكذلك في العقوق هناك حكايات تدل على أن الإنسان إذا عق أباه وأمه عقه أولاده .
صلة الأرحام : وهناك فرق بين الوالدين و الأقارب ، فالأقارب لهم الصلة ، والوالدان لهما البر . والبر أعلى من الصلة ، لان البر كثرة الخير و الإحسان ، لكن الصلة ألا يقطع ، ولهذا يقال في تارك البر : انه عاق ، ويقال فيمن لم يصل : إنه قاطع !
فصلة الأرحام واجبه ، وقطعها سبب للعنة والحرمان من دخول الجنة . قال الله تعالى { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ {22} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ {23} .
وقال النبي عليه الصلاة والسلام : (( لا يدخل الجنة قاطع )) .
أي قاطع رحم .
والصلة جاءت في القرآن والسنة مطلقة .
<div align="center">وكُلّ ما أتى ولم يُحَدّدِ بِالشرّعِ كَالحِرْزِ فبِالعُرْفِ احْدُدِ</div>
وعلى هذا ، يرجع إلى العرف فيها ، فما سماه الناس صلة ، فهو صلة ، وما سموه قطيعة ، فهو قطيعه ، وهذا يختلف باختلاف الأحوال و الأزمان و الأمكنة و الأمم .
إذا كان الناس في حالة فقر ، وانت غني ، وأقاربك فقراء ، فصلتهم أن تعطيهم بقدر حالك .
وإذا كان الناس أغنياء ، وكلهم في خير ، فيمكن أن يكون الذهاب إليهم في الصباح أو المساء مما يعد صلة .
وفي زماننا هذا الصلة بين الناس قليلة ، وذلك لانشغال الناس في حوائجهم ، وانشغال بعضهم عن بعض ، والصلة التامة أن تبحث عن حالهم ، وكيف أولادهم ، وترى مشاكلهم ، ولكن هذه الأمور مع الأسف مفقودة ، كما أن البر التام مفقود عند كثير من الناس .